ابن حزم
23
رسائل ابن حزم الأندلسي
وحذروا سلاطينهم من فتنته ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والأخذ عنه ، فطفق الملوك يقصونه عن قربهم ويسيرونه عن بلادهم إلى أن انتهوا به إلى منقطع أثره بتربه بلده من بادية لبلة . . وهو في ذلك غير مرتدع ولا راجع إلى ما أرادوا به ، يبث علمه فيمن ينتابه بباديته تلك من عامة المقتبسين منه من أصاغر الطلبة الذين لا يخشون فيه الملامة يحدثهم وفقهم ويدارسهم ولا يدع المثابرة على العلم والمواظبة على التأليف " ( 1 ) . انهزم ابن حزم - إذن - أمام المذهب المالكي لان السياسة في المغرب وقفت تسند ذلك المذهب ، وما حرق كتبه إلا شاهد قوي على ذلك ، وبعد وفاة ابن حزم بسنوات وقعت الأندلس في قبضة المرابطين فبلغ انتصار المذهب المالكي أقصاه ؛ لان أمير المرابطين لم يكن يحظى عنده إلا من علم علم الفروع - أي فروع مذهب مالك - فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها وكثر حتى نسي النظر في كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - هكذا قال المراكشي ( 2 ) ؛ وهذا هو عين ما كان ينعاه ابن حزم على فقهاء بلده ويلح من اجله على دعوتهم إلى الكتاب والسنة وهجر التقليد للأئمة . 2 - هذه الرسالة : تحوي رسالة الفقهاء المالكية إلى ابن حزم نقاطاً ومسائل كثيرة ، وليس من همي ان أسرد كل ذلك ولكني اختار أهم الاتهامات التي وجهوها إلى ابن حزم نفسه . ولا يخطئ الناظر في هذه الرسالة أن يرى تلك الناحية التي عانى ابن حزم شيئاً كثيراً من أجلها ، اعني علاقته بعلم المنطق ، فهو عند هؤلاء الفقهاء متهم بأنه يرد بالمنطقي على الشرعي وله عناية بحد المنطق ، والشق الأول من التهمة باطل لان ابن حزم اتخذ المنطق أساساً في الأحكام الشرعية ليثبت به تلك الأحكام لا ليردها ، وأما الشق الثاني فيشير إلى كتاب التقريب " وما فيه من التعمق والعرض وترتيب الهيئات " ( 3 ) وقد كان رد ابن حزم على هذا واحداً حيثما هاجمه به أعداؤه وهو : هل عرف هؤلاء الناس حد المنطق أو لم يعرفوه فإن عرفوه فليبينوا ما فيه من المنكرات ، وإن لم يعرفوه فكيف يستحلون ان يذموا ما لم يعرفوه
--> ( 1 ) الذخيرة 1 / 1 : 168 . ( 2 ) المعجب : 111 . ( 3 ) انظر الفقرة : 11 من الرسالة .